كتاب تاريخ الفقه الإسلامي: دراسة في نشأة الفقه وتطوره عبر العصور
يستعرض هذا الكتاب نشأة الفقه الإسلامي وأطواره التاريخية، بدءاً من حالة العرب قبل الإسلام وعصر الرسالة والتشريع، مروراً بخصائص الفقه ومقاصده، ومقارنته بالقوانين الوضعية، ليقدم للقارئ إحاطة شاملة بأدوار الفقه وتطوره.
معاينة الاقتباس:
أكاديميحسن يشو (2026). كتاب تاريخ الفقه الإسلامي: دراسة في نشأة الفقه وتطوره عبر العصور. https://www.hassanyachou.org/ar/books/كتاب-تاريخ-الفقه-الاسلامي-دراسة-في-نشاة-الفقه-وتطوره-عبر-العصور
يُشكل كتاب "تاريخ الفقه الإسلامي: دراسة في نشأة الفقه الإسلامي وتطوره عبر العصور"، للأستاذ الدكتور حسن يشو، إضافة نوعية ومرجعية أكاديمية رصينة للمكتبة الفقهية والتاريخية. ويمثل هذا السفر ثمرة خبرة تدريسية وتراكم معرفي للمؤلف في قاعات الدرس الأكاديمي، بدءاً من مؤسسة قطر وصولاً إلى جامعة محمد الأول بالمغرب. وقد جاء هذا الكتاب استجابة لحاجة ملحة لسد الفراغ في المداخل المنهجية التي تؤصل لنشأة الفقه وتطوره، متجاوزاً السرد التاريخي المجرد إلى التحليل الفقهي العميق الذي يربط الأحكام ببيئتها وزمانها.
يُستهل الكتاب بتأسيس مفاهيمي دقيق لمصطلح "تاريخ الفقه الإسلامي"، معرفاً إياه بأنه العلم الذي يبحث في نشأة الفقه، ومدارسه، وأئمته، وأسباب اختلافهم، وتطور المذاهب عبر العصور، مع استحضار الظروف التاريخية المؤثرة في هذا المسار. ويؤكد المؤلف على مركزية هذا العلم في فهم الشريعة؛ فهو ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية (فرض كفاية) تُمكن الدارس من استيعاب المصطلحات، وتتبع مسالك الفقهاء في الاستنباط، وإدراك العوامل التي أسهمت في ازدهار الفقه أو تلك التي أدت إلى ركوده. كما يمثل هذا العلم حائط صد منيع لدحض شبهات المستشرقين، وأداة لفهم حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة المستجدات من خلال استمداده مادته من علوم متضافرة كعلوم القرآن والحديث والسيرة وأصول الفقه والتاريخ.
ولم يغفل المؤلف عن تتبع الجذور التاريخية لهذا العلم، مشيراً إلى أن الإرهاصات الأولى لتدوين تاريخ الفقه تعود إلى جهود العلامة المغربي محمد الحجوي الثعالبي في كتابه "الفكر السامي"، والعلامة المشرقي محمد الخضري بك في "تاريخ التشريع الإسلامي"، اللذين وضعا اللبنات الأولى لهذا الفن في بدايات القرن العشرين، ممهدين الطريق لسلسلة طويلة من المؤلفات التي استعرضها الكتاب في مسرد ببليوغرافي شامل. وقد اعتمد الدكتور يشو تقسيماً منهجياً سداسياً لأدوار الفقه الإسلامي، يبدأ بعصر التشريع (البعثة النبوية)، ثم عصر الصحابة والخلفاء الراشدين، يليه عصر التابعين، ثم عصر التدوين والأئمة المجتهدين، ليدخل الفقه بعدها في عصر الجمود والتقليد، وصولاً إلى العصر الحاضر الذي يُعد عصر الإحياء والتجديد.
قبل الولوج إلى تفاصيل هذه العصور، يقدم الكتاب تأصيلاً مفاهيمياً وافياً لكلمة "الفقه" لغة واصطلاحاً. فمن الناحية اللغوية، يدور الفقه حول الفهم الدقيق والعميق. أما في الاصطلاح الشرعي، فقد مرّ المصطلح بتطور دلالي مهم؛ ففي الصدر الأول للإسلام، كان "الفقه" يشمل الدين كله بعقائده وأخلاقه وأحكامه العملية، وهو ما عبر عنه الإمام أبو حنيفة بأنه "معرفة النفس ما لها وما عليها". لكن مع تطور العلوم وتخصصها، خُصص مصطلح "الفقه" في اصطلاح المتأخرين بـ "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية"، وهو التعريف الذي درأ به العلماء الخلط بين الفقه وغيره من العلوم كالعقيدة وأصول الفقه.
ويبرز الكتاب بوضوح سمات الفقه الإسلامي وخصائصه التي تجعله متفرداً عن القوانين الوضعية؛ فهو فقه رباني المصدر، يتسم بالتوازن والشمول والوسطية، وتخضع أحكامه لمعقولية تراعي مصالح العباد. كما يتميز الفقه الإسلامي بالواقعية والإنسانية والعالمية، ويجمع بين الجزاء الدنيوي والأخروي، محتكماً إلى رقابة ذاتية نابعة من الإيمان. وتتجلى عظمة هذا الفقه في سعته ومرونته التي تتأتى من مراعاته للضرورات والأعذار، وقابلية نصوصه لتعدد الأفهام، وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، مما يجعله صالحاً لكل زمان ومكان، ومفخرة حضارية للمسلمين أشاد بها حتى المنصفون من المستشرقين أمثال "سانتيلانا". ويحرص المؤلف على التفريق الدقيق بين "الشريعة" الثابتة والمقدسة والملزمة للجميع، وبين "الفقه" الذي يمثل اجتهاداً بشرياً في فهم هذه الشريعة، وهو متغير ويقبل الخطأ والصواب.
وفي خطوة منهجية ذكية، يمهد المؤلف للحديث عن عصر التشريع بدراسة "حالة العرب قبل الإسلام". ويوضح أن اختيار شبه الجزيرة العربية لتكون مهداً للرسالة لم يكن صدفة، بل لحكمة إلهية بالغة؛ فالعرب، رغم جاهليتهم الدينية (التي تمثلت في الشرك وعبادة الأوثان) وتخلفهم السياسي، كانوا يتمتعون بصفات فطرية نبيلة كالشجاعة والكرم والوفاء، ويمتلكون لغة قوية وبياناً ساحراً، إضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي بعيد عن تعقيدات الفلسفات والأيديولوجيات المنحرفة التي سادت في إمبراطوريات الفرس والروم. وقد استعرض الكتاب أمثلة مفصلة عن العادات والتشريعات الجاهلية في النكاح (كنكاح المقت والشغار) والطلاق والفرقة (كالظهار والإيلاء) والميراث والمعاملات المالية (كالربا وبيوع الغرر)، مبيناً كيف تدخل الإسلام لإلغاء الفاسد منها، وتعديل ما يحتاج إلى تقويم، وإقرار الصالح الذي يتوافق مع مقاصد الشريعة والعدالة الإنسانية.
ويصل الكتاب إلى ذروته التحليلية في تفصيل "الدور الأول: عصر التشريع"، وهو عصر الرسالة والبعثة النبوية الممتد لثلاث وعشرين سنة (بين مكة والمدينة). ويُعد هذا العصر أهم الأدوار الفقهية قاطبة؛ لأنه العصر الذي نزل فيه الوحي واكتمل فيه التشريع الإلهي، وتأسست فيه قواعد الدين. ويُقسم المؤلف هذا العصر من الناحية التشريعية إلى مرحلتين متكاملتين: "التشريع المكي" الذي امتد لثلاث عشرة سنة، وتركز أساساً على بناء العقيدة الصافية، وتصحيح المفاهيم، وإرساء مكارم الأخلاق، ومحاربة الرذائل، مع تشريعات عملية قليلة ومجملة تناسب حالة الاستضعاف وبناء الأساس. وقد اتسم القرآن المكي بقصر آياته وشدة خطابه للردع والزجر.
أما "التشريع المدني"، الذي بدأ مع الهجرة واستمر عشر سنوات، فقد شهد تأسيس الدولة الإسلامية وبناء المجتمع. وفي هذه المرحلة، تنزلت التشريعات التفصيلية التي تنظم شؤون الأسرة، والمعاملات المالية، والجنايات، والحدود، والقضاء، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، بل وعالجت قضايا سياسية داخلية كظاهرة النفاق. ويؤكد الكتاب أن السلطة التشريعية في هذا العصر كانت لله وحده، وأن النبي ﷺ كان مُبلغاً ومُبيناً لما يُوحى إليه، سواء من خلال القرآن الكريم أو عبر سنته المطهرة التي تعتبر المصدر الثاني للتشريع. فقد كان التشريع يتنزل إما استجابة لوقائع وأحداث، أو إجابة لأسئلة استشكلت على الصحابة، ليكون النبي ﷺ هو المرجع الأوحد في بيان الحلال والحرام، مؤكداً ومفصلاً لما أُجمل في القرآن، أو مُشرعاً مستقلاً بأحكام لم تُنص فيها آيات قرآنية.
























