معالم الوسطية في معالجة التحديات المعاصرة | أ.د. حسن يشو حفظه الله
محاضرة افتتاحية لأ.د. حسن يشو حفظه الله حول مفهوم الوسطية ودورها في مواجهة التطرف ومعالجة التحديات الفكرية والتربوية والإعلامية المعاصرة.
معاينة الاقتباس:
أكاديميحسن يشو (2026). معالم الوسطية في معالجة التحديات المعاصرة | أ.د. حسن يشو حفظه الله. https://youtu.be/HMB6Tu3aaoY?si=oCBBOnMvvQ5e1z-f
في خضم الأمواج المتلاطمة والتجاذبات الأيديولوجية الحادة التي تعصف بواقعنا المعاصر، تبرز الحاجة الماسة إلى بوصلة ضابطة تعيد الأمة إلى مسارها الحضاري الصحيح. وفي هذا السياق المعرفي الدقيق، تتجلى الأهمية البالغة للطرح الفكري العميق الذي تفضل به شيخنا حفظه الله، الدكتور حسن يشو، في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الأكاديمية العالمية لعلماء الوسطية. إن هذه المادة العلمية لا تمثل مجرد سرد تقليدي لمفاهيم مكررة، بل هي مقاربة تشخيصية وعلاجية ترتقي إلى مستوى "الهندسة الحضارية"، حيث تعيد صياغة العقل المسلم ووجدانه ليكون قادراً على مواجهة التحديات بوعي، وبصيرة، واتزان، بعيداً عن مزالق الإفراط الماحق والتفريط الساحق.
ينطلق شيخنا حفظه الله من حفريات لغوية ومعرفية دقيقة ليؤسس لمفهوم "الوسطية"، مؤكداً أنها ليست موقفاً تلفيقياً باهتاً أو نقطة رمادية في منتصف الطريق بين الحق والباطل، بل هي ذروة السنام وجوهر الكمال. إن استقراء المعاجم العربية الكبرى يثبت أن الوسطية ترادف العدل، والفضل، والخيرية المطلقة. ويتماهى هذا المعنى اللغوي بشفافية تامة مع الدلالة الشرعية التي وصف بها النبي ﷺ جنة الفردوس بأنها "أوسط الجنة"، أي أعلاها وأفضلها وأكرمها. وتتسع هذه الرؤية في الطرح لتتجاوز حدود السلوك الفردي، وترتقي بالوسطية لتصبح "سنة كونية" وناموساً إلهياً ناظماً للوجود بأسره؛ فالسماوات والأرض والكواكب تدور في أفلاكها وفق ميزان رباني دقيق يرفض الطغيان أو الإخسار، وهذا الميزان الكوني المتقن هو ذاته الانعكاس التشريعي لـ "الصراط المستقيم" الذي ينظم حياة الأمة، ويحفظها من الميل نحو المادية الجوفاء أو الرهبانية المنقطعة عن الحياة.
ومن منطلق التشخيص الدقيق لأمراض العصر، يغوص شيخنا حفظه الله بمبضع العالم الخبير في أعماق الواقع ليُشرح "إرهاصات الانحراف" عن هذا المنهج القويم. وتتجلى أولى هذه العلامات البئيسة في ذلك الصدام المفتعل والعقيم بين العقل والنص؛ حيث انقسم الناس بين تيار يُقصي النص الصحيح ويعتدي عليه بسيف العقلانية المفرطة، وتيار آخر يُلغي ملكة العقل تماماً ويعطل دوره المحوري في الكشف عن أسرار التشريع وفهم مقاصده. ويرافق هذا الخلل المعرفي آفة اجتماعية أشد فتكاً، وهي الانحدار نحو التشرذم والتمزق، حيث تحول الاختلاف الذي كان في عصور الازدهار "اختلاف خصوبة وتنوع"، إلى "اختلاف خصومة وتنازع" ينهش في جسد الأمة، ويحلق دينها، ويستنزف طاقاتها في معارك وهمية لا يخرج منها منتصراً سوى المتربصين بها.
ويمتد هذا التشخيص العميق ليفكك فوضى الخطاب الإفتائي المعاصر، والذي تأرجح بين نقيضين كلاهما مدمر. فمن جهة، برز غلو منهجي يسعى إلى التضييق على عباد الله، فيحيل المكروهات إلى محرمات قطعية، ويتصرف وكأن الأصل في الأشياء هو المنع، مما يولد بيئة من الخنق النفسي والفكري. ومن جهة مقابلة، ظهر تيار تمييعي يتجرأ على الثوابت، ويُطوع الأحكام الشرعية استجابة لضغوط الواقع، متدثراً بشعارات التيسير الفارغة من أي ضابط أصولي. وفي هذا الخضم، يبرز شيخنا حفظه الله خطورة الانسياق خلف "النوايا الحسنة" إذا تجردت من الحكمة وحساب المآلات، مستحضراً العبقرية النبوية في "حديث السفينة"؛ ليوضح كيف أن التصرفات الطائشة التي يُقدم عليها البعض بحجة القصد الحسن وإرادة الإصلاح، قد تؤدي إلى خرق سفينة المجتمع بأكمله وإغراق الجميع إن لم تتصدَ لها قوى الوسطية بالحكمة والحزم.
ولعل من أعمق ما لامسه هذا الطرح المبارك هو معالجة الاختلالات المنهجية الخطيرة التي أنتجت ظاهرة العنف باسم الدين. فقد فند شيخنا حفظه الله، بالحجة البالغة، الخلل الجسيم في "فقه الجهاد" لدى حركات التطرف، مؤكداً أن السيف في الإسلام شُرع حصراً لرد العدوان ودفع الفتنة، ولم يُشرع قط لإكراه الناس على العقيدة أو تبرير استهداف المدنيين والمعاهدين. وتنسحب هذه المراجعة المنهجية على "فقه التغيير وإنكار المنكر"، حيث يقرر الفكر الوسطي قواعد صارمة تمنع الاندفاع الأهوج؛ فلا تغيير إلا في منكر مُتفق عليه، ولا إنكار لمنكر إن كان سيجلب مفسدة أعظم منه، ولا نجاح لأي إصلاح إن تجرد من قيم الرفق واللين التي تزين كل مسعى. كما يغلق المنهج الوسطي بحزم أبواب الفتنة الكبرى المتمثلة في التكفير العشوائي والخروج المسلح، محتفظاً بعصمة دماء أهل القبلة، ومقتدياً بالهدي النبوي الذي أنكر أشد الإنكار على من استهان بكلمة التوحيد متذرعاً بشق القلوب.
في المحصلة الختامية لهذه القراءة التحليلية، يتأكد لنا بوضوح أن الوسطية ليست خياراً ترفياً أو توجهاً ثانوياً، بل هي حبل الله المتين والمشروع النهضوي الشامل القادر على انتشال الأمة من وهدتها. إن العودة الصادقة إلى معالم هذا الخطاب الوسطي، كما أصلها وفصلها شيخنا حفظه الله، هي السبيل الأوحد لتصحيح المفاهيم، وحقن الدماء، ورأب الصدع، وبناء مجتمع مستقر تتناغم فيه أصالة الوحي مع فاعلية العقل، لتستعيد الأمة بذلك مكانتها اللائقة كشاهدة على الناس وحاملة لراية العدل والرحمة في هذا العالم المأزوم.
اختبار سريع
اختبر فهمك
استدل شيخنا حفظه الله بـ "حديث السفينة" لتوضيح ضابط مهم من ضوابط الوسطية. ما هو هذا الضابط؟
اختر الإجابة التي تراها صحيحة.
