مرئيات

الأمة الواحدة والقرآن الكريم | كلمة أ.د. حسن يشو في الأمسية القرآنية

كلمة علمية لأ.د. حسن يشو حفظه الله في الأمسية القرآنية بمؤسسة النبراس الثقافية، حول موضوع الأمة الواحدة والقرآن الكريم.

الاقتباس
13 صيغة

معاينة الاقتباس:

أكاديمي

حسن يشو (2026). الأمة الواحدة والقرآن الكريم | كلمة أ.د. حسن يشو في الأمسية القرآنية. https://www.hassanyachou.org/ar/videos/al-ummah-al-wahida-wa-al-quran-al-karim

تفريغ كلمة شيخنا حفظه الله (د. حسن يشو) - الأمسية القرآنية بمؤسسة النبراس الثقافية

[بركة القرآن في الزمان والمكان والإنسان]

الذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان. هذا الحفل البهيج الذي يبهجه القرآن الكريم عبر هذه الأصوات الندية التي سنستمع إليها، يزدان بها المكان ويتألق، لأن القرآن الكريم زينة المجالس، وإكسيرها، ومصدر حيويتها. فالنبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح أنه قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده". ثم قال: "ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه"، لأن هذا هو الطريق نحو العمل.

فكتاب الله يضفي هذا التألق وهذا الألق على المكان الذي يُقرأ فيه، كما يضفيه على الزمان الذي يحل فيه. هذا الشهر الفضيل، الذي ما زلنا نعيش أسبوعه الأول، إنما جاءت قوته من هذا الكتاب. وحين تحدث الله جل في علاه عن هذا الشهر: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، فهذه الوصلة وهذه الصفة ليست عبثاً؛ لأن رمضان يرتبط ارتباطاً صميمياً بالقرآن.

والارتباط العضوي الوثيق إنما هو في هذه الليلة التي مدار رمضان عليها: ليلة القدر. لأن الله تعالى حين يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فهذه الليلة -أيها السادة أيتها السيدات- هي كباقي الليالي، لكن حين حلّ فيها القرآن، وحين اختار الله جل جلاله أن يتنزل وحيه في هذه الليلة، صار لهذه الليلة هذا الألق وهذه الميزة، فصارت خيراً من ألف شهر.

إذاً هذا القرآن أضفى هذه المنزلة وهذا الشرف على هذه الليلة، هي ليلة اكتسبت قدرها من هذا القرآن الكريم. وكذلكم الإنسان حين يرتبط بهذا الكتاب، تصير له هذه المكانة وهذه المنزلة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، كالذي حفر حفرة عميقة بينه وبين القرآن. وأنتم تعرفون البيوت الخربة؛ هي مساكن الجان، والناس يلقون فيها القمامات، وتزحف إليها الهوام والحشرات ولا قيمة لها. وكذلكم الإنسان الذي يقطع وصله بالقرآن، فإما الخراب كالبيت الخرب، وإما العمران بالارتباط بالقرآن. فلذلك أجاد من قال: "رسالة القرآن نحو العمران". أي حين نرتبط بهذا الكتاب، فهذه وظيفة القرآن الكريم: وظيفة حيوية عمرانية حضارية متألقة لها هذا الأثر.

[نشأة العلوم لخدمة كتاب الله]

نحن خُدّام هذا الكتاب في هذا الحفل، وفي قراءته في مجالس كثيرة. وتعرفون أن علوماً كثيرة -على الرغم من أنها تتصل بفنون أخرى- لكن ما دام لها وصل بالقران فهي خادمة للقرآن. الكتب اللغوية في النحو واللغة حين ابتدأ التأليف فيها، ابتدأ التأليف لخدمة القرآن. كان النحو في خدمة القرآن، والصرف في خدمة القرآن، والبلاغة في خدمة القرآن.

فلذلك تنازع علماء القرآن والنحاة واللغويون حول بعض الكتب مثل "مجاز القرآن" و"غريب القرآن". هي في الأصل كتب لغوية، لكن لما كان لها وصل بالقران صارت من "علوم القرآن". ونحن لا نقول "علم القرآن" لأنه ليس فيه علم واحد، بل نقول "علوم القرآن"، هي علوم كثيرة: علم أسباب النزول، علم التجويد، علم القراءات، علم غريب القرآن، علم الناسخ والمنسوخ، وعلم المقاصد. وقد أُلفت فيها مؤلفات عظيمة كالزركشي في "البرهان في علوم القرآن"، والسيوطي في "الإتقان في علوم القرآن"، والكتابات ما زالت جارية لحد الآن.

[صلاة التراويح ورمزية الجنائز لأهل الحق]

وتعرفون أننا في رمضان، ورمضان شعاره القرآن الذي أنزل فيه القرآن. وأننا جئنا من صلاة التراويح. إن رمزية التراويح في ختم القرآن وفي قراءته رمزية عظيمة. كان الإمام أحمد بن حنبل -الذي قيل فيه: كاد أن يكون إماماً في بطن أمه لنبوغه المبكر- يقول للمناوِئين والمخالفين: "بيننا وبينهم الجنائز". حين يموت أحد المبتدعة لا يمشي معه في تشييع جنازته إلا أهله، وأحياناً أهله يلفظونه. لكن حين يموت عالم، على الرغم من أنهم ضربوا عليه الحصار (كأحمد بن حنبل الذي عاش محنة وأي محنة)، تجد جنازته يخرج فيها الآلاف، ونقول بلغة العصر: "مسيرة مليونية" خلف الإمام أحمد!

الرمزية في أهل الحق وأهل الله وخاصته ومن يحمل رسالة القرآن تتبين في الجنائز. وأنا تشرفت أن أكون تلميذاً للشيخ يوسف القرضاوي، وحاولت أن أحمل النعش مع الذين شيعوه وصليت خلفه. انظروا إلى الذين حضروه، لقد خلف مدرسة، أينما توجهت تجد طلابه، طلاب الوسطية والاعتدال، بيننا وبين هؤلاء المتشدقين والمتفيهقين المناوئين.

في وقت التراويح، تجد واحداً يتكلم عن البخاري، وواحداً يتكلم بجراءة ووقاحة عن الإفطار نهاراً جهاراً باسم الحرية. لكن التراويح هنا ترد؛ تجدون القرآن يُقرأ في المساجد، وتضيق المساجد بالمصلين حتى في الطرقات والشوارع! والله حين تنظر في فاس، وفي الدار البيضاء، وفي طنجة.. في بعض الأماكن كمسجد المرحوم الحسن الثاني، تقول: كأنك في الحرم!

[لطائف مقاصدية: فضل العلم في الحيوان، ودقة التسمية]

(ينتقل شيخنا حفظه الله إلى لطائف فقهية مقاصدية)

الشرط في الصيد أن يكون الكلب مُعَلَّماً. إذا كان كلباً هكذا (غير مدرب) وجاءك بفريسة وماتت، فلا تأكلها. ولكن لكي تكون حلالاً يجب أن يكون "مُعَلَّماً مُكَلَّباً". ومعلم ليس معناه أنه قرأ "الآجرومية"! بل معلم يعني: تأمره يأتمر، وتزجره يزجر.

الإمام القرطبي لما وقف مع هذه الآية، ذكر مجموعة من المسائل والفوائد، وكان من آخرها أن قال: "وهذا فضل العلم، حتى في جنس الكلاب!". كلب مُعلَّم نأكل صيده حلالاً، وكلب غير معلم لا نأكل صيده. انظر إلى من استنبط هذه الفائدة سبحان الله.

ومن المقاصد الجزئية أيضاً، نحن في الذبيحة نقول: "بسم الله"، ولا "نبسمل" (أي لا نكملها). لماذا لا نقول "بسم الله الرحمن الرحيم" بل نقتصر على "بسم الله"؟ لأن الجرح وإراقة الدم يتنافى مع دلالة "الرحمة"، فلذلك أبقى الشرع على "بسم الله" فقط. أي حاجة في الشريعة لها مقصد لا يغيب.

[منهجية النصر والتمكين في القرآن]

في الأخير، حين يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: 28]، هذا النص وارد في ثلاث سور: التوبة، والصف، والفتح.

إظهار الدين والتمكين للأمة ورد في هذه السور الثلاث. وعند النظرة التراتبية في النزول، نجد أنها وردت في "التوبة" أولاً، لأن إظهار الدين يقتضي منا توبة صادقة ورجعة صادقة إلى الله. ووردت في "الصف" ثانياً، لأن إظهار الدين يحتاج منا إلى توحيد الكلمة وتوحيد الصف. وأخيراً وردت في "الفتح"، من أجل أن يفتح الله علينا.

إذن، إظهار الدين والتمكين يحتاج إلى توبة (سورة التوبة)، وإلى توحيد الصف (سورة الصف)، لينتهي بالفتح (سورة الفتح).

[مسك الختام: طرفة تربوية]

نختم بطرفة، لأن التعب قد يكون أخذ مأخذه، و"أعطوا الكلام من المزح قدر ما يُعطى الطعام من الملح".

عندي ولد، راه موجود هنا، اسمه "طارق"، وُلد لي في قطر. وأنا لما وُلد، أردت أن أتعامل معه وأربيه على هذه المعاني. قلت له: "يا ولدي، أتدري لماذا سميتك طارقاً؟ سميتك طارقاً نسبة لطارق بن زياد الذي فتح الأندلس. يا ولدي الأندلس ضاعت، وأتمنى أنك تفتحها". سميتك طارق تيمناً بهذا الخير.

لكن المشكلة، من بعد، جئت له بالرضاعة (البيبرون) وقلت له: "افتح فمك"، فلم يرضَ أن يفتحه! فقلت له: "خيبتك! ما فتحتش حتى فمك، عاد تفتح الأندلس؟!".

السلام عليكم ورحمة الله وجزاكم الله خيراً.

اختبار سريع

اختبر فهمك

السؤال 1 من 1
1 سؤال

استنبط شيخنا حفظه الله منهجية "النصر والتمكين" للأمة من خلال تكرار آية ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ في ثلاث سور قرآنية بترتيب دقيق. ما هو الترتيب الصحيح لهذه السور الذي يمثل مراحل التمكين كما ورد في المحاضرة؟

اختر الإجابة التي تراها صحيحة.